الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

473

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وهم راغمون ، ولا محيص لهم من وجوب تصديقه وهم صاغرون ، وذلك أنّهم لم يجدوا طريقا يسلكون في إنكار حقهّ من النبوّة ، والدفع لما أتى به من الرسالة إلّا بأن أقرّوا له ببلوغه من كلّ درجة في الفضل منيفة ، ومرتبة في الكمال والعقل شريفة ، ما قد قصّر عنه جميع خلق اللّه ، وبدون ذلك تجب له الرياسة ، والتقدّم على الكافّة ، ولا يجوز أن تتوجهّ التهمة لمنافاتها لما أقرّوا به في موجب العقل والحكمة . وبيان ذلك : أنّهم إذا سمعوا القرآن الوارد على يده الّذي قد جعله علما على صدقه ، ورأوا قصور العرب عن معارضته وعجزهم من الإتيان بمثله ، قالوا : إنهّ كان قد فاق جميع البلغاء في البلاغة ، وزاد على سائر الفصحاء في قصّر عن مساواته في ذلك الناس كافّة ، ففضلّوه بهذا على الخلق أجمعين وقدمّوه على العالمين . وإذا تأمّلوا ما في القرآن من أخبار الماضين ، وأعاجيب السالفين ، وذكر شرائع الأنبياء المتقدّمين ، قالوا : قد كان أعرف الناس بأخبار الناس ، وأعلمهم بجميع ما حدث ، وكان في سالف الأزمان قد أحاط بنبأ الغابرين ، وحفظ جميع علوم الماضين . ففضلّوه بهذه الرتبة على الخلق أجمعين . وإذا رأوا ما تضمنّه القرآن من عجيب الفقه والدين ، وبديع عبادات المكلّفين ، وترتيب الفرائض وانتظامها ، وحدود الشريعة وأحكامها ، قالوا : قد كان أحكم أهل زمانه ، وأفضلهم وأبصرهم بأنواع الحكمة ، وأعملهم ، ولم يكن خلق في ذلك يساويه ، ولا بشر يدانيه . ففضلّوه بذلك أيضا على الخلق أجمعين ، وأوجبوا له التقدّم على العالمين . وإذا علموا ما في القرآن من الأخبار بالغائبات وتقديم الأعلام بمستقبل الكائنات وسمعوا ما تواترت به الأخبار من إنبائه لكثير من الناس بما في نفوسهم وإظهاره في الأوقات لمغيّب مستورهم ، قالوا : قد كان أعرف الناس